امكانية تخفيض المصروفات الحكومية لمواجهة عجز الموازنة والتضخم

امكانيات تخفيض المصروفات الحكومية
لمواجهة عجز الموازنة والتضخم

د. محسن علي حسن
1. المقدمة
هناك براهين قوية على ان الاقتصاد كلما ينمو كلما تكون هناك حاجة الى نفقات عامة اكثر. وكلما يزداد الدخل الفردي كلما تقل الحاجة الى انواع معينة من النفقات . ولكن على الجانب الاخر هناك براهين اخرى تؤكد على ان قرارات الانفاق تكون اكثر كفاءة واقتصادية اذا مورست من قبل القطاع الخاص، وان الحرية الفردية تكون مضمونة اكثر كلما كان حجم النفقات العامة محدوداً ، وان تقليص حجم الموازنة يساعد في تجنب الضغوط التضخمية ، وبالتالي فان الاعتماد على النفقات العامة يجب ان يكون بحده الادنى. واذن ليس من الصعب ادراك مدى الاهتمام الواسع الذي تحضى به المسائل المتعلقة بزيادة او تخفيض النفقات العامة. فاذا كانت النفقات العامة تمتص نسبة كبيرة من الدخل القومي فانها تمنح الحكومة سلطات واسعة للتحرك على مفاصل السياسة الاقتصادية . بيد ان تمويل هذه النفقات المتزايدة له مخاطر عميقة بالنسبة للسياسة النقدية واعباء مباشرة على التضخم خاصة اذا كان النظام الضريبي يعاني من عيوب ونواقص كثيرة ، وانتشار البيروقراطية وتدني مستوى الاداء في الادارات الحكومية .

2. حجم النفقات العامة
لغرض قياس حجم النفقات العامة او القطاع العام (نفقات الحكومة المركزية والحكومة المحلية والمؤسسات العامة ) يمكن استعمال معايير متعددة : حصة العاملين في القطاع العام من قوة العمل، حصة الايرادات العامة( خاصة الضرائب) من الدخل القومي ، حصة النفقات العامة من الدخل القومي . فالقطاع العام باعتباره منظمة مستقلة ، يبدو انه اكبر مستخدم للقوى العاملة في العراق حيث تشكل نسبة العاملين فيه 20% من قوة العمل حسب اخر تعداد للسكان ، وبالتالي فان تاثيره لايمكن تجاهله على مستوى الاجور والانتاجية والاستثمار في النظام الاقتصادي. اما المعيار المتعلق بحصة الضرائب من الناتج المحلي الاجمالي فرغم اهميته في البلدان التي تعتمد على الايرادات الضريبية في تمويل الجزء الاكبر من موازناته، الا انه ليس كذلك بالنسبة للعراق الذي يعتمد على الايرادات النفطية في تغطية اكثر من 80% من المصروفات العامة . وعليه فان حصة النفقات العامة من الناتج المحلي الاجمالي تبدو انها المعيار الاكثر ملائمة وشيوعاً ليس فقط في العراق وانما في عدد كبير من بلدان العالم . ومنذ بداية القرن العشرين كان مجموع النفقات الحكومية يتزايد باستمرار في جميع دول العالم سواء احتسبت بالقيمة المطلقة او كنسبة من الدخل القومي. فتشير البيانات الى ان نسبة النفقات الحكومية الى الدخل القومي في العراق كانت في ارتفاع مستمر خلال معظم السنوات وقد تصل الى اكثر من 50% في بعض السنين وبالتالي فان الاهمية النسبية لحصة الحكومة في مجموع الاقتصاد لاتقل شأناً عنها في البلدان المتقدمة، مما يعني ان اكثر من نصف الدخل القومي ينفق من قبل الحكومة على اغراضها التخصيصية والتوزيعية . ويلاحظ ان معدل النمو في مجموع النفقات العامة كان يتجاوز معدل النمو في الدخل القومي، وخلال نصف قرن صدرت عشرات الدراسات التطبيقية لاختبار هذه الفرضية والتجربة في العراق اثبتت ايضا ان المرونة الدخلية للنفقات العامة كانت تتجاوز الواحد بكثير وهي تتشابه بما لايقبل الشك مع مرونة الطلب الدخلية لسلع الاستهلاك الكمالية . ويبدو ان اعتماد العراق على الايرادات النفطية المتزايدة كان وراء النمو المتصاعد للنفقات العامة والتي كانت تبلغ ذروتها خلال فترات الحروب. وحتى بعد انتهاء فترات الحروب فان هذه النفقات وان كانت تنخفض قليلا الا انها لاتعود الى مستوياتها التي كانت سائدة قبل الحرب.

3. تخصيص النفقات العامة
هناك عدد من الدول اعتمدت فيها التنمية الاقتصادية كليا على القطاع العام والعراق ليس استثناء. الا ان هذه السياسة لم يحالفها نجاح كبير في توفير الشروط الضرورية للنمو الاقتصادي المستدام طويل الاجل. وقد تعود اسباب ذلك للسياسة الاقتصادية الحكومية التي لم تكن تهتم كثيرا للترشيد الاقتصادي طويل الاجل من اجل المصالح الاقتصادية قصيرة الاجل للقوى الحاكمة . وربما كانت هذه السياسة تتاثر بعاملين الاول هو، وكما اشير اعلاه ، الاعتماد الكبير على الايرادات النفطية باعتبارها اهم المصادر المالية للحكومة والذي اثر بدوره على التركيبة السياسية للمجتمع العراقي. والثاني هو صنع القرار بالنسبة لتخصيص المصادر بين النشاطات الاجتماعية والاقتصادية بالقدر الذي يؤمن الدعم الاقتصادي والاستقرار السياسي للسلطة الحاكمة . وتوضح هذه الحقائق ان المشاكل الاقتصادية يمكن تحليلها ولو ظاهريا في ضوء البيئة السياسية . وهذا يصح تماما خاصة بالنسبة لتحليل مصروفات دوائر الحكومة والمؤسسات العامة طالما ان القرارات التي تتخذها هذه المؤسسات عرضة للتدقيق والمحاسبة من قبل البرلمان . واذن فالمصادر المخصصة للقطاع العام مع تجاهل دور القطاع الخاص تتحدد بالعملية السياسية لعدم وجود آلية السوق التي يستطيع بها المواطنون التعبير عن تفضيلاتهم بالنسبة للسلع ذات الاستهلاك الجماعي . ويبدو ان آلية السوق ليس بالعراق فقط وانما في كثير من البلدان الاخرى تعمل بظروف تختلف عن البلدان المتقدمة . فالحوافز السعرية المختلفة الناشئة عن شروط العرض والطلب للسلع والخدمات عادة ما تواجه عوامل معوقة مثل النقص في وسائل الاتصالات المتطورة ، والعادات والتقاليد وغيرها . ولهذه الاسباب وغيرها يحتل القطاع العام موقع الريادة لعملية التنمية الاقتصادية والتاثير على نمطها من خلال السياسات الانفاقية . ويمكن للموازنة الحكومية في البداية ان تساعد في كسر حلقة الفقر المفرغة من خلال تحفيز الاستثمار وتطوير البنية التحتية . وهكذا فان الاستثمار في قطاعات معينة كالتعليم والصحة والنقل وغيرها غالبا ما يتركز في مجال الاستثمار الاجتماعي والذي يصبح فيما بعد راس الحربة لسياسة الموازنة .
وتفيد المعلومات المتيسرة حول هيكل النفقات الحكومية في العراق مقارنة مع بعض الدول المتقدمة والنامية ان الحصة الاكبر كانت للنفقات الجارية في جميع تلك البلدان ، بينما النفقات الراسمالية كانت تمثل النسبة الاوطىء من المصروفات العامة . وتبلغ هذه النسبة حوالى 5% في الدول المتقدمة بينما تبلغ 18% في ماليزيا . اما في البرازيل فان النفقات الرأسمالية تؤلف حوالي 4% بسبب ان معظم نفقاتها تذهب لتسديد فوائد الديون شأنها في ذلك شأن معظم دول امريكا اللاتينية المدينة . ولكن مايلفت النظر هو التغير في توجيه الاستثمارات العامة في العراق ، حيث ان حصتها تضاعفت خلال الفترة من 1950 -1980 . ورغم ان حصتها المخططة في موازنة 2008 هي اقل مما كانت عليها عام 1980 ، الا انها تبقى تشكل نسبة هامة من المصروفات العامة . ويلاحظ ايضاً فيما يخص العراق ، ان هناك تغيرات هامة حصلت على المكونات الاقتصادية الرئيسية للنفقات العامة . فبينما كانت الاجور والرواتب عام 1950 تشكل حوالي نصف النفقات العامة للموازنة انخفضت الى 11% عام 1980 لكنها ارتفعت مجدداً لتؤلف حوالي 21% عام 2008 . وكان لانخفاض حصة الاجور والرواتب دلالة واضحة على ان العاملين في دوائر الدولة لم يعوضوا بما فيه الكفاية عن الارتفاع في تكاليف المعيشة مما كان له آثاراً ضارة على كفائتهم ونزاهتهم . وتشير هذه الحقائق الى ضرورة الاهتمام بهذا النوع من المصروفات لغرض اجتذاب الكفاءات القادرة على حل المشاكل الهامة التي يحتمل ان تواجهها دوائر الحكومة فيما يتعلق بتنفيذ خططها الاستثمارية للسنوات المقبلة . اما الانفاق على شراء السلع والخدمات فكان يشكل نسبة 33% من مجموع النفقات عام 1950 ، بينما المدفوعات التحويلية ( رواتب التقاعد والضمان الاجتماعي والدعم وفوائد الديون والاعانات والمنح) كانت نسبتها الاوطىء. ورغم ان هذه المدفوعات ازدادت قليلاً عام 1980 الا ان الانفاق على شراء السلع والخدمات كان يستنفذ اكثر من ثلاثة ارباع الموازنة . وتشير هذه الزيادة الكبيرة في الانفاق على شراء السلع والخدمات عام 1980 الى نية الحكومة بتوسيع الخدمات العامة ذات الطبيعة الاستهلاكية والتي تتطلب توسيع دوائر الحكومة مع كل مارافقها من اخطاء وتبذير خاصة بالنسبة لتشييد المباني الضخمة ذات الزخارف الثمينة والاسراف في مصروفات البعثات الدبلوماسية وغير ذلك. ويبدو ان هناك تناوباً واضحاً بين كل من الانفاق على شراء السلع والخدمات والنفقات التحويلية ، فبعد ان كانت النفقات التحويلية تؤلف نسبة 5% من موازنة عام 1980 ، ارتفعت الى اكثر من 30% من النفقات المخططة لموازنة 2008 وذلك على حساب الانخفاض في حصة شراء السلع والخدمات من حوالي 49% الى 14% خلال السنتين المذكورتين .

4. محددات النفقات العامة
ان قدرة الحكومة على الصرف تتحدد بعدد من العوامل وخاصة القيد الايرادي. وآخذا بنظر الحساب هذا القيد ، فان تخصيص المصادر بين الاحتياجات المتنافسة تخضع بصورة كبيرة لقرارات سياسية. فعلى مدى اكثر من نصف قرن كانت النفقات الراسمالية تزداد بنسبة تفوق كثيرا الزيادة في النفقات الجارية بالاسعار الثابتة. وبينما كانت النفقات الجارية تتمتع بحصة الاسد من مجموع النفقات العامة كانت النفقات الراسمالية تاتي بالمرتبة الثانية من حيث الاهمية . وتعكس هذه النسبة الواطئة للنفقات الراسمالية حساسيتها للتغيرات في الايرادات النفطية والعلاقات السياسية بين العراق والمجهزين الاجانب للتكنلوجيا المتقدمة، بالاضافة الى الاختناقات التي تواجه تنفيذ المشاريع الاستثمارية خاصة النقص في نظام النقل والقوى العاملة الماهرة. اما بالنسبة لتوزيع النفقات العامة بين الوظائف المتنافسة فان قطاع الامن والدفاع يمتص اكثر من 30% من مجموع النفقات، وهذه النسبة لم تتعرض الى كثير من التقلبات منذ تاسيس الدولة العراقية كما هو الحال بالنسبة للوظائف الاخرى خاصة الخدمات الاقتصادية . وهذا يعني ان الانفاق على الدفاع كان اقل تاثرا بالقيد الايرادي ويتحدد بصورة واسعة بالعوامل السياسية . وبينما كانت الوظائف الاقتصادية للنفقات العامة تتعرض للتقلبات وفقاً للتغيرات في النقد الاجنبي ، فان الصرف على الخدمات الاجتماعية كان يتمتع باستقرار نسبي ويتحدد بعوامل اخرى من بينها العوامل الديموغرافية .

5. السياسات المالية والنقدية وتخفيض النفقات
بصرف النظر عن الانتقادات الموجهة نحو السياسة المالية ودورها في التضخم الا انها لاتزال الاداة الاقوى في التاثير على حجم النشاط الاقتصادي وتقليل مستويات البطالة. ففي الاوقات التي يتجه فيها النشاط الاقتصادي نحو التراجع ويهدد بالركود فان الدور المقترح للسياسة المالية هو اجراء تخفيضات في الضرائب وزيادات في النفقات العامة من اجل توسيع مساهمة القطاع العام لمواجهة الانكماش في الناتج القومي. وعلى العكس من ذلك اذا كان الاقتصاد يعمل بكامل طاقته ووجود استخدام فائض بمصادر العمل وضغط تضخم غير مرغوب فيه فان الامر يستدعي اجراء تخفيض في النفقات وزيادة في الضرائب لغرض تقليص التوسع الاقتصادي وتقييد التضخم . ولكن في بعض الاحوال ينظر الى توازن الموازنة بانه حالة مرغوبة. فالموازنة المتوازنة ينبغي التمسك بها في حال الوصول الى مستوى عال من الاستخدام يفوق نسبة 95% من القوى العاملة . وتشير الشواهد التاريخية في بعض البلدان( كبريطانيا مثلا) ان الفترات التي اعقبت الحروب دفعت حكوماتها الى استخدام السياسة المالية بكثافة من اجل التاثير على مستوى الطلب في الاقتصاد واستعادة المستويات المقبولة من الاستخدام. وكانت تلك السياسة تمثل مدخلا مهماً وسريعاً في توفير فرص النجاح لتحقيق مستوى عال للاستخدام من دون التضحية بالحريات الاساسية للمجتمع الحر.
اما المدخل النقدي لادارة الطلب فيتضمن استخدام الزيادات في اسعار الفائدة للتاثير على الاستثمار الثابت وبناء المخزون وابتياع السلع الاستهلاكية المعمرة . ومن المحتمل ان تتاخر هذه الاثار عدة شهور. لكن اكثر الاثار السريعة للسياسة النقدية يمكن ان تحدث نتيجة لتخفيض عرض النقد وتقليل مستوى الائتمان . وهكذا فان مايؤخذ على السياسة النقدية ان اثارها غير مؤكدة وان مقدار تاثيرها على الناتج المحلي من الصعب التكهن به علاوة على ان فترة تاخير تاثيرها طويلة جدا مقارنة مع السياسة المالية .
ومهما يكن من امر فانه من الواضح ان السياسة المالية وثيقة الصلة بالسياسة النقدية التي هي الاخرى اداة مهمة للتاثير على المستوى العام للنشاط الاقتصادي. لكن السياسة النقدية لاتعمل بصورة مباشرة على مجملات الاقتصاد الكلي ( الاستهلاك ، الاستثمار، الخ) التي تدخل في الحسابات القومية بل انها تؤثر على هذه المجملات بصورة غير مباشرة من خلال التغير في وفرة وكلفة الائتمان كما اشير اليه سابقاً. فعندما يعاني الوضع الاقتصادي من ظروف تضخمية فان الامر يتطلب سياسة نقدية تقييدية تتمثل في توفير احتياطي محدود للمصارف التجارية الذي يؤدي بدوره الى ارتفاع اسعار الفائدة وبالتالي تقليل الطلب على الائتمان من قبل المؤسسات الاقتصادية والمستهلكين عامة . وهكذا فان الشحة في الائتمان تساعد على تقييد التوسع الاقتصادي وتحديد الزيادة في الاسعار . وعلى العكس من ذلك في الفترات التي تسود فيها المصادر العاطلة والانكماش تتحمل السياسة النقدية جزء مهما من العبء من خلال تاثيرها على الانفاق الاستثماري. فبفضل سياسة الائتمان الوافر تعمل السياسة النقدية على توفير الاحتياطيات بكثرة الى الجهاز المصرفي التي تقود بدورها الى تقليل كلفة الائتمان وانخفاض اسعار الفائدة وبالتالي جعل الاقتراض اكثر يسراً . ورغم ان الاجراءات المعاكسة لزيادة الطلب تؤدي على العموم الى رفع مستوى البطالة، الا ان سياسات الاقتصاد الكلي تتحمل العبء الاكبر في تخفيض نسب البطالة . ومع ذلك فان الواجب الاكثر صعوبة الذي يواجه صانعي القرار هو استخدام وتنفيذ الاصلاحات على جانب العرض الملائمة وربما الصعبة من الناحية السياسية وهذا ما يتطلب توجيه السياسة النقدية نحو تعزيز الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية . فالسياسة النقدية التي تستهدف تضخم واطىء وطلب كلي مستقر هي الاكثراحتمالاً في تحسين الوضع المعيشي لاصحاب الدخل المحدود في الاجل الطويل من خلال رفع القيمة الحقيقية للاجور والمدفوعات التحويلية التي يتلقاها هؤلاء . ولكن في الحالات التي تفشل الحكومة في وضع التضخم تحت السيطرة فأنها تجد صعوبة في تخفيض النفقات العامة ازاء المستويات العالية للفقر . وقد تلجأ بعض الحكومات الى تقوية الايرادات وتخفيض النفقات بدون المساس بالخدمات الاساسية لكن نجاح مثل هذه الجهود امر غير مؤكد.

6. تخفيض النفقات العامة: الستراتيجية والمعوقات
يتضح مما عرض سابقاً، ان سياسات الحكومة خاصة المالية والنقدية مسؤولة عن كثيرمن المشاكل الاقتصادية مثل التضخم، البطالة ، ميزان المدفوعات ، والتباطؤ في النمو الاقتصادي وربما يمكن معالجة هذه المشاكل عن طريق تخفيض النفقات والضرائب وتقليل الاقتراض وتخفيض البيروقراطية . وتستند الستراتيجية المصممة لتخفيض النفقات على اعتبارات عديدة اهمها تخفيض معدلات التضخم عن طريق احتواء وتخفيض النمو النقدي تدريجياً ، والحفاظ على حوافز القطاع الخاص خاصة الضرائب المنخفضة على الدخل ، وتخصيص النفقات العامة بما ينسجم مع اهداف الضرائب والقروض والاستناد على التقدير المعقول لتوقعات النمو الاقتصادي.
فلاجل مواجهة الضغوط التضخمية يجب ان يكون هناك ترشيد مهم في النفقات العامة . فالاستهلاك العام التبذيري والمبالغ الكبيرة غير الضرورية يجب تخفيضها. ولكن الحكومة احياناً لاتملك حرية تخفيضها اذا تناولت اغراضاً معينة . فيلاحظ انه من غير العملي تخفيض عدد االعاملين في القطاع العام لاسباب سياسية وانسانية . ونفس الشىء يمكن ان ينطبق على كثير من النفقات خاصة التحويلية اذ تجد الحكومة صعوبة في تخفيض بعض انواعها . ومن الممكن ان تواجه الحكومة كثيراً من الصعوبات اذا حاولت اجراء تخفيضات على بعض النفقات في اوقات ارتفاع الاسعار كالرواتب والاجور والرواتب التقاعدية وحجم نفقات المنافع الاجتماعية . وغالباً ما يترافق الانفاق التبذيري مع زيادة في المساحة المتاحة للفساد خاصة في فترة الانتقال من النظام الدكتاتوري الى نظام التعددية الذي تكون فيه الحكومة اكثر انفتاحا على الجمهور . وتزداد الخطورة اذا وصل الفساد الى المستويات السياسية العليا الامر الذي يجعل السيطرة عليه في المستويات الدنيا اكثر صعوبة . وهكذا فأن السياسة المالية امامها كثير من فرص النجاح في اوقات الركود الاقتصادي ، لكن هذه الفرص تضيق في ظل اوضاع التضخم . ومع ذلك فأن السياسة المالية تكون اوفر حظاً في النجاح اذا كانت مدعومة بسياسة نقدية مناسبة . وفي بعض الاحوال ، مثلاً بقاء نسب الضرائب بدون تغيير ، فأن تخفيض النفقات يؤدي الى انخفاض في الناتج والاستخدام لكنه يحسن ميزان المدفوعات بسبب انخفاض الطلب على الاستيرادات . واذن، فصافي الآثار الانكماشية الناتجة عن تخفيض النفقات العامة ربما يقل اذا كانت هناك امكانية لنفقات القطاع الخاص لان تعوض الانخفاض في المصروفات الحكومية. وقد يتقلص هذا الاثر اكثر اذا كان جزء من الانخفاض في المصروفات الحكومية يتركز في شراء السلع والخدمات المستوردة ، وبالتالي فأن الاثر المباشر للانخفاض على الناتج المحلي سوف ينخفض بالقدر الذي يغطي اقيام السلع الاجنبية .
وفي الاحوال التي يصعب على الحكومة اجراء تخفيضات هامة في النفقات العامة قد تلجأ الى رفع مستوى الايرادات الضريبية لتمويل الزيادات المستمرة في النفقات العامة الامر الذي يؤدي الى اضرار بالغة في الحوافز المقدمة للقطاع الخاص . ففي ظل المستويات العالية للضرائب يقلل الافراد من اوقات العمل مما يؤثر سلباً على الانتاجية . كما ان المستويات العالية للضرائب تؤدي الى عزوف القطاع الخاص عن القيام باستثمارات جديدة والابتعاد عن الاستثمارات المنتجة التي تتضمن درجة عالية من المخاطرة . والنتيجة النهائية هي انخفاض متوسط الانتاجية في الخزين الراسمالي وبالتالي انخفاض الربحية والناتج االمحلي . ومما لاشك فيه ان هذه الزيادات سواء في الضرائب او في القروض او غيرها من مصادر التمويل تتيح للحكومة فرصة توسيع القطاع العام وما ينتج عن ذلك من ارتفاع معدلات التضخم وتقليل حرية النشاط الخاص وعدم استخدام المصادر بكفاءة وبالتالي تقليل فرص النمو في الامكانات الانتاجية للاقتصاد الوطني.
وبالاضافة الى العوائق الاقتصادية التي تواجه الحكومة اثناء محاولاتها تخفيض النفقات العامة فانها تواجه صعوبات ومشاكل ادارية وسياسية ايضاً . فالحكومة لديها ادوات محدودة لتبني استراتيجية فاعلة لتخفيض النفقات عندما تواجه نقصاً في الايرادات . وربما تكون من اهم الاسباب هي عدم كفاية المعلومات التي توفرها الموازنة ذاتها حيال صرف التخصيصات مما يجعل الامر صعباً بالنسبة لمراقبة تنفيذ الموازنة بصورة فعالة وقد يرتب قانون الموازنة والتعليمات قيداً على قدرة الحكومة على اجراء تخفيض استراتيجي في النفقات . فبعض انواع المصروفات تتمتع بالحماية والتمويل الكامل مثل الدفاع والامن وخدمة الدين وبعض البرامج والمصروفات التي تحكمها التزامات سابقة . ورغم ان هذه النفقات تؤلف نسبة كبيرة من الموازنة الا ان نطاق تخفيضها يكون محدوداً جداً . وهناك مشاكل تتعلق بتقديرات الدوائر الحكومية لنفقاتها . فهذه الدوائر تميل دائماً الى توسيع نشاطها وغالباً ما تبالغ في طلباتها وذلك لاعتقادها من خلال التجربة ان كثيراً من مقترحاتها ستخفض اثناء المناقشة مع دائرة الموازنة . وبالمقابل فان وزارة المالية وبحكم التجربة ايضاً ، تنحاز حتماً الى تخفيض الطلبات لاعتقادها ان الدوائر غالباً ما تضخم تقديراتها، وهذا مايقوي موقف دائرة الموازنة في اقناع السلطة التشريعية بان تلك التخفيضات تقتضيها مصلحة الاقتصاد الوطني .
ورغم ان قرارات وزارة المالية تاخذ بعين الاعتبار تكييف النفقات في ضوء احتياجات المجتمع ، الا انها على العموم تستند الى اعتبارات سياسية . ففي البلدان التي تشهد تغيرات متكررة في تداول السلطة مابين الاحزاب المتنافسة ، تحاول الحكومة قبل الانتخابات ان تغالي في صرف النفقات العامة بحيث تخلف تركة ثقيلة من الدين العام للحكومة التي تخلفها والتي غالباً ماتكون من احزاب المعارضة . وعندما تخطط الحكومة لزيادة الضرائب وتخفيض النفقات لاعتبارات تتعلق بتقليل العجز في الموازنة فانها خلال مدة ولايتها تنتظر حتى بعد الانتخابات . وحينما تكون امام الحكومة توصيات تتعلق باجراء تخفيض في ضريبة الدخل واقتراح ضريبة جديدة مثلاً ضريبة القيمة المضافة، فانها توافق على المقترح الاول بينما تؤجل النظر بالمقترح الاخر الى ما بعد الانتخابات .ويلعب النظام السياسي والدستوري دوراً هاماً في نجاح ستراتيجية تخفيض النفقات لغرض تقليص حجم العجز المالي . ففي الدول التي يحكمها تحالف متعدد الاحزاب كما في العراق وايطاليا يصعب الحصول على اجماع بشأن اجراءات التقشف المؤلمة سياسياً . ولكن على العكس من ذلك ، فأن الحكومة التي يؤلفها حزب واحد كما في بريطانيا واليابان ، او الحكومة التي يؤلفها حزبان كما في المانيا تكون اكثر فاعلية في وضع عجز الموازنة تحت السيطرة .
ومما تقدم يمكن استخلاص حقيقتين : الاولى ان اهداف تخفيض النفقات مالم تكن مشتقة من تحليل السياسة المالية والدراسات المتعلقة بها ، فان هذا التخفيض لن يحقق اهدافه في تقليل الهدر بل على العكس من ذلك فقد يزيد من عدم الكفاءة وتقليل نوعية الخدمات. اما الحقيقة الثانية وهي الاهم فهي ضرورة وجود الرغبة السياسية والجماعية في تخفيض النفقات العامة . غير انه لايمكن لهذه الرغبة ان تترجم الى عمل ملموس بدون وجود آلية مناسبة تشتغل بشكل مناسب . فالرغبة والآلية تسيران معاً . وقد لايكون كافياً ايضا لنجاح ستراتيجية تخفيض النفقات وجود وزارة قوية تتمتع بوزن سياسي مهم، بل المهم ان كل واحد من اعضاء الوزارة يجب ان يفكر اولا بكونه طرفاً في المسؤولية الجماعية وثانياً كمسؤول عن وزارة بعينها لكي تضمن تلك الستراتيجية الدعم المطلوب من البرلمان.

د. محسن علي حسن  

About The Author

Related posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *